أكد رئيس لجنة المال والموازنة عقب الجلسة الأولى المخصّصة لمناقشة مشروع موازنة العام 2027، أن وصول المشروع ضمن المهلة الدستورية يُحسب للحكومة، مشدداً في المقابل على رفض فرض رسوم وضرائب جديدة في ظل الانكماش الاقتصادي واحتجاز الودائع. كما طالب بإنجاز الحسابات المالية، وإعادة هيكلة القطاع العام، والتوصل إلى صيغة نهائية لقانون الفجوة المالية تحفظ حقوق المودعين.
وقال: «استمعنا، خلال الجلسة الأولى لمناقشة مشروع موازنة العام 2027، إلى وزير المال بشأن البنود الأساسية الواردة في المشروع، وسجّلنا عدداً من الملاحظات الجوهرية التي طرحناها داخل الجلسة».
وأضاف: «النقطة الإيجابية الأولى هي أن الموازنة أُحيلت في موعدها، ولم ندخل مجدداً في دهاليز مناقشة موازنة بعد مرور عام على موعدها، فتكون قد أصبحت أمراً واقعاً بعدما تكون الأموال قد أُنفقت. لقد وصلت هذه الموازنة في الوقت المناسب، ما يتيح لنا مناقشتها والاعتراض على بعض بنودها وتعديلها. وهذه هي الأصول الدستورية التي طالبنا باحترامها طوال سنوات. واليوم جرى الالتزام بها، وهذا أمر جيد يُحسب للحكومة».
وأشار إلى أن مشروع الموازنة يعكس حرص الحكومة على تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، لكنه اعتبر أن هذا التوازن يبقى نظرياً ومحاسبياً ولا يعكس توازناً فعلياً، موضحاً: «هذا التوازن ليس عملياً أو حقيقياً بالكامل، لأنه لا يشمل الدين العام وكيفية إعادة هيكلته، ولا المطلوبات الأخرى المترتبة على الحكومة، والتي كان يُفترض أن تعمل عليها لو دخلنا في مرحلة تعافٍ مالي واقتصادي فعلي، ومن بينها الإنفاق الاستثماري وتحفيز النمو. فلا يجوز أن يقتصر التوجه على فرض الرسوم».
وتابع: «تأتي الإيرادات، بمعظمها، من الرسوم والضرائب بنسبة 89 في المئة، فيما تشكّل النفقات التشغيلية نسبة مماثلة تقريباً من الإنفاق. وفي ضوء الأرقام المتوافرة، تمكّنت الحكومة من تحقيق هذا النوع من التوازن. وبالطبع، لا تشمل هذه الحسابات التطورات الطارئة التي قد تحصل. فإذا اندلعت حرب وتراجعت الإيرادات، وكلفة الحرب الأخيرة ١٢ مليار دولار، فلا تتحمل الحكومة مسؤولية ذلك. لكن لا يجوز أيضاً تعليق كل شيء على الحرب. لذلك، نحن أمام توازن محاسبي، وليس توازناً فعلياً وحقيقياً».
ولفت إلى أن النقطة الثالثة تتعلّق بالتشديد على تحصيل الضرائب، قائلاً: «يتضمن مشروع الموازنة إجراءات لتعزيز الامتثال الضريبي والتسجيل الإلكتروني والتحول الرقمي، وتشجيع المواطنين على التصريح عن مداخيلهم وتسديد الضرائب وفق معايير واضحة».
في المقابل، شدد على أن الدولة لم تصل بعد إلى مرحلة تأمين الحقوق المطلوبة للعاملين في القطاع العام، وقال: «لم نتمكن حتى الآن من تقديم المساعدات الاجتماعية اللازمة، ولم نصل إلى مرحلة تسمح لنا بالقول إن العاملين في القطاع العام بدأوا يحصلون على حقوقهم أسوة بغيرهم».
وفي ما يتعلّق بالرسوم والضرائب، أكد أن موقف لجنة المال والموازنة واضح، مضيفاً: «أبلغت وزير المال أنه إذا تبيّن لنا وجود رسوم جديدة، أو زيادات على الضرائب الجديدة أو القائمة، فسيكون للجنة موقف رافض لها. وقد عبّرنا عن هذا الموقف داخل اللجنة كما عبّرنا عنه خارجها، وهذه مسؤوليتنا جميعاً في لجنة المال والموازنة، وليست مسؤولية نائب واحد أو رئيس اللجنة وحده».
وتابع: «كل نائب وحزب وكتلة ممثلة في اللجنة مطالَب باحترام ما أقرّته لجنة المال والموازنة والمجلس النيابي سابقاً، والالتزام به. فلا يجوز، في ظل الانكماش الاقتصادي وغياب التعافي المالي والاقتصادي واحتجاز الرواتب والودائع في المصارف اللبنانية، تحميل المواطن مزيداً من الأعباء، وكأنه مطالب بدفع كلفة الفشل والفوضى».
وعن الحسابات المالية، أشار إلى أن الحكومة أعلنت قبل أيام حساب العام 2022، فيما لا يزال حسابا العامين 2024 و2025 غير منجزين، لافتاً إلى أن هذا الملف كان موضع نقاش مع الحكومة لتحديد موقف المجلس النيابي من استمرار التأخير.
وقال: «اكتشفنا هذه المشكلة في لجنة المال منذ العام 2009، وجرى العمل عليها حتى العام 2019، إلا أننا لا نزال، منذ ذلك الحين وحتى مناقشة موازنة العام 2027، ننتظر معالجة هذه المسألة. وهي قضية جوهرية، لأن غياب الحسابات يحول دون ممارسة الرقابة الفعلية على عمل الحكومة وتفاصيل إنفاقها. فإذا لم تكن الحسابات متوافرة، لا يمكننا معرفة ما إذا كانت الحكومة قد التزمت بالموازنة والاعتمادات المرصودة فيها أم لا. وتعطيل الرقابة أمر بالغ السوء والخطورة. لذلك، توقفنا مطولاً عند هذه المسألة، وهي اليوم في عهدة الحكومة».
وفي ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، نقل عن وزير المال تأكيده أن الطعن لم يؤثر سلباً في مسار الاتفاق، وقال: «استخدم رئيس الجمهورية حقه الدستوري في الطعن، وقد أصدر المجلس الدستوري قراره في هذا الشأن. ولا يفترض أن يشكّل ذلك عقبة أمام المسار الذي وصفه وزير المال بأنه جيد جداً، مؤكداً أن المفاوضات تسير بصورة جيدة، وأن الأجواء إيجابية بين مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي والحكومة».
وأعرب عن أمله في أن تؤدي هذه الأجواء إلى التوصل إلى اتفاق بشأن قانون الفجوة المالية الموجود في المجلس النيابي منذ شباط 2026، مؤكداً أن المطلوب فعلياً هو توافق صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان والحكومة اللبنانية على ركائز أساسية تسمح باسترداد الودائع.
كذلك، توقف عند ضرورة إعادة هيكلة القطاع العام، مشيراً إلى وجود قانون منذ العام 2017 يتضمن بنوداً إصلاحية، من بينها منع التوظيف خلال فترة محددة، وإجراء إعادة هيكلة وفقاً لحاجات القطاع العام، وقال: «منذ العام 2017 وحتى اليوم، لا نزال ننتظر تنفيذ هذا الإصلاح».
وختم: «إلى جانب إنجاز الحسابات المالية وإعادة هيكلة القطاع العام، هناك قانون الفجوة المالية الذي يتأخر إقراره بانتظار انتهاء المفاوضات الإيجابية التي يجري الحديث عنها، كي لا يضطر المجلس النيابي إلى إنجاز العمل نفسه مرتين أو ثلاثاً، كما حصل في مشروع قانون إصلاح المصارف. فقد أُحيل المشروع للمرة الأولى عام 2025، ثم وردت تعديلات عليه قبل أن تُسحب وتُرسل تعديلات جديدة، وكل ذلك وفقاً لمسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وإذا كانت الأجواء إيجابية اليوم، فنأمل أن ترد الصيغة النهائية للتعديلات على القانون، بما يتيح إنجاز إعادة الهيكلة».
وأضاف: «لمن يسمعنا ولم يكن متابعًا خلال السنوات الماضية، أو كان خارج لبنان، أو كان صغير السن، نقول: قبل الانتقاد والسؤال عمّا تفعله لجنة المال والموازنة، عليه أن يعرف أن رقابتنا وتدقيقنا مستمران منذ العام 2009. ومهمة النائب أن يفضح المخالفات ويحيلها إلى القضاء المالي، وليست مهمته أن يحلّ مكان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء الأربعة والعشرين والقضاء والضابطة العدلية».






