2:40 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الديمقراطية والكرباج... الحرية حين تفقد ضوابطها والديمقراطية حين تنسى مسؤولياتها

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

ليست الديمقراطية أن يُترك الحبل على غاربه، وليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء، ويقول ما يشاء، ويعتدي على ما يشاء، ثم يختبئ خلف شعارات الحقوق والحريات. فلكل حرية حدود، ولكل حق مسؤولية، ولكل مجتمع ثوابت لا يمكن أن يستمر من دون احترامها.

هناك شعوب، أو بالأحرى فئات داخل المجتمعات، يبدو أنها لم تدرك بعد أن الحرية ليست انفلاتًا، وأن الديمقراطية ليست ترخيصًا بالفوضى. وهنا تبرز الحاجة إلى ما أسمّيه مجازًا «الكرباج»؛ لا بمعنى القمع والتعذيب، بل بمعنى القانون الصارم الذي يردع، والمحاسبة التي لا تستثني أحدًا، والسلطة التي لا تتردد في وضع حدّ لكل من يظن أن حريته تسمح له بانتهاك حريات الآخرين.

لقد أطلقنا مرارًا نداءنا إلى القارة العجوز: استيقظي! لكن من يسمع النداء؟ ومن يوصله إلى من يظن أنه بلغ من الحضارة مبلغًا لا يحتاج معه إلى مراجعة نفسه؟ ثم من أنا أصلًا حتى أطلب من أوروبا أن تستيقظ؟ ومع ذلك، فإن الصمت أمام ما نراه من مظاهر الاستفزاز الديني والاستهانة بالمقدسات ليس حكمة، والتغاضي عن الانحرافات باسم الحرية ليس دليلًا على الرقي.

تتباهى أوروبا بعلمانيتها، وتفتخر بابتعاد مؤسساتها عن المرجعيات الدينية، وهذا شأنها في تنظيم دولها ومجتمعاتها. لكن العلمانية لا تعني بالضرورة الإلحاد، كما أن احترام حرية المعتقد لا يتعارض مع احترام مشاعر المؤمنين. والمشكلة تبدأ حين تتحول الحرية من ضمانة للتعايش إلى ذريعة للاستفزاز، وحين يصبح ازدراء المقدسات في نظر البعض دليلًا على التقدم، فيما يُصوَّر احترامها وكأنه علامة على التخلف.

وإذا كان ما نشهده اليوم نتيجة تراكم طويل من التراخي الاجتماعي والأخلاقي، فإن من حقنا أن نتساءل عن الثمن الذي قد تدفعه المجتمعات حين تفقد قدرتها على التمييز بين الحرية والمسؤولية. أما ردّ هذه الظواهر إلى غضب إلهي، فذلك أمر لا يستطيع أحد الجزم به؛ لكن المؤمن يستطيع أن يرى في تراجع القيم، وضياع المعايير، وتفكك الروابط الإنسانية، أسبابًا تستحق التأمل والمراجعة.

وما يقلقني ليس ما يجري في أوروبا وحدها، بل ما قد ينتظر وطننا إذا استمررنا في استيراد المفاهيم المشوّهة للحرية، من دون أن نميّز بين الانفتاح الحضاري والتقليد الأعمى، وبين حماية الحقوق وإلغاء الضوابط.

وما زاد الأمر استفزازًا ظهور أشخاص يتعاملون مع الدين المسيحي، كما تعاملوا من قبل مع الإسلام، وكأن المقدسات مادة مباحة للسخرية والاستعراض، وكأن استفزاز المؤمنين إنجاز فكري يستحق التصفيق. وليس الاعتراض هنا على النقد أو الحوار أو الاختلاف، فهذه جميعها من صميم المجتمعات الحرة، بل على تحويل الإهانة المتعمدة إلى وسيلة لفرض الحضور، وعلى الاعتقاد بأن الحرية تعفي صاحبها من كل مسؤولية أخلاقية وقانونية.

ومن يظن نفسه فنانًا كوميديًا، أو يعتقد أن السخرية تمنحه حصانة مطلقة، عليه أن يفهم أن الدولة ليست متفرجًا، وأن القانون ليس تفصيلًا ثانويًا. يستطيع أن ينتقد الأديان والأفكار والمؤسسات، لكن عليه أن يتحمل مسؤولية أفعاله وفق قوانين عادلة وواضحة، تُطبَّق على الجميع بلا تمييز، وتحمي في الوقت نفسه حرية التعبير وكرامة الإنسان وحقوق المؤمنين وغير المؤمنين.

فالحرية لا تعني أن تفعل كل ما تستطيع فعله، بل أن تعرف ما يحق لك فعله، وما يترتب على فعلك من مسؤولية.

ومن هنا، فإن الكرباج الذي تحتاج إليه الديمقراطية بين الحين والآخر ليس كرباج الجلاد، بل كرباج القانون؛ ليس أداة لإسكات المخالفين، بل وسيلة لردع الاعتداء، وليس سلاحًا بيد السلطة ضد الشعب، بل ضمانة لحماية المجتمع من كل من يظن نفسه فوق القانون.

فالديمقراطية التي لا تحمي نفسها من الفوضى قد تتحول إلى ضحية لشعاراتها، والحرية التي لا تقترن بالمسؤولية قد تصبح اعتداءً على الآخرين، والدولة التي تتردد في تطبيق قوانينها بعدالة تفتح الباب أمام الأقوى صوتًا والأكثر استفزازًا.

نعم للديمقراطية، نعم للحرية، ونعم للاختلاف؛ لكن لا للفوضى، ولا لازدراء كرامة الآخرين، ولا لحرية بلا مسؤولية.

فحين يغيب الوعي، لا بد من القانون. وحين تتراجع المسؤولية، لا بد من المحاسبة. وحين يظن البعض أن الحرية تعني غياب الحدود، يصبح تذكيرهم بتلك الحدود ضرورة لا غنى عنها.

فالديمقراطية لا تحتاج إلى كرباج الجلاد، بل إلى هيبة القانون؛ لأن الحرية التي لا يحميها القانون قد تنقلب على نفسها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o