10:05 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

المراهنون على لبنان…

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

المراهنون على لبنان والذين لا يُسألون.
في هذا البلد الذي يتقن الوقوف على الحافة، لا يعود السؤال: من مع من؟ بل يصبح السؤال الأخطر: من يراهن على من، ومن يراهن على ماذا؟
في لبنان، تتكاثر "المراهنات" كما تتكاثر الانقسامات. هناك من يراهن على إسرائيل، وهناك من يراهن على إيران، وهناك من يضع رهانه في سلال السعودية أو الخليج أو فرنسا أو أميركا أو حتى الصين وروسيا وكوريا، وكأن العالم كله أصبح طاولة قمار سياسية مفتوحة، وكل فريق ينتظر دوره ليربح خصمه عبر الخارج.
لكن وسط هذا الضجيج، يخرج خطاب آخر أكثر هدوءًا وأكثر ادعاءً: خطاب "نحن فقط مع لبنان".
هؤلاء ليسوا كتلة واحدة، ولا حزبًا، ولا تنظيمًا. هم مساحة واسعة من الناس الذين يرفضون كل الاصطفافات، ويعلنون، بمرارة أو ببراءة أو بيأس، أنهم لا يريدون لا هذا المحور ولا ذاك، بل يريدون بلدًا اسمه لبنان فقط. لا راية فوقه إلا رايته، ولا قرار فيه إلا قراره.
لكن المفارقة القاسية أن هذا الصوت، رغم كثرته المفترضة، يبقى خارج الحسابات. يُذكر في الاستطلاعات، يُستحضر في الخطابات، ثم يُعاد إلى الهامش عند كل استحقاق. وكأن "الأكثرية الصامتة" في لبنان كائن سياسي بلا جسد، بلا ممثلين، بلا ترجمة فعلية في السلطة.
هنا يبدأ الخلل الحقيقي.
ففي بلدٍ مثل لبنان، لم يعد الانقسام فقط بين مشاريع سياسية داخلية، بل بين مشاريع خارجية تتقاطع على أرضه، وبين ناسٍ فقدوا الثقة بكل المشاريع. وبين الطرفين، تتسع الفجوة: فجوة لا تُردم بالشعارات، ولا تُغطّى بخطابات السيادة، ولا تُحلّ باتهام هذا الفريق أو ذاك بالخيانة أو الارتباط.
المأساة ليست في وجود من يراهن على الخارج. المأساة في أن كل فريق بات يرى في نفسه " اللبنان الحقيقي"، وفي الآخر "اللبنان المزوّر". وهكذا، تُسحب الوطنية من التداول العام، وتتحول إلى ملكية خاصة تُمنح وتُسحب حسب الهوية السياسية.
أما أولئك الذين يقولون "نحن مع لبنان فقط"، فهم أمام معضلة أكبر مما يظنون: كيف يتحول هذا الشعار إلى قوة سياسية، لا إلى موقف أخلاقي فقط؟ كيف يُترجم إلى مشروع، لا إلى رفض دائم؟ كيف ينتقل من الصمت إلى الفعل، في بلد لا يعترف إلا بمن يملك صوتًا منظّمًا أو تمثيلًا صلبًا؟
في النهاية، لبنان لا يفتقر إلى "الآراء". ما يفتقر إليه هو لحظة صدق جماعي، يُعاد فيها تعريف السؤال الأساسي: هل نحن دولة واحدة تبحث عن سيادتها؟ أم ساحة مفتوحة لكل من يملك قدرة أكبر على الاستثمار في التناقضات؟
وما لم يُطرح هذا السؤال بجرأة، سيبقى كل طرف مقتنعًا أنه وحده لبنان… وأن الآخرين مجرد رهانات خاسرة.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o