المركزية - استضاف مجلس الشيوخ الفرنسي ندوة في باريس، في ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦، بمناسبة مرور مئة عام على صدور الدستور اللبناني (١٩٢٦–٢٠٢٦)، والتي نُظّمت بالتعاون مع مجموعة الصداقة الفرنسية–اللبنانية في مجلس الشيوخ الفرنسي، برعاية رئيس المجلس جيرار لارشيه.
شارك سفير لبنان لدى فرنسا، ربيع الشاعر في الندوة، التي جمعت أيضًا شخصيات برلمانية وقانونية وقضائية وأكاديمية من لبنان وفرنسا، من أبرزها السيناتورة الفرنسية سيلفي فالانت لو هير، والنواب اللبنانيين سيمون ابي رميا وفريد البستاني ووليد البعريني، والخبير الدستوري البروفسور ميشال قليموس، والرئيس السابق لمجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر، إلى جانب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي لا سيما كريستين لافارد وخليفة وخليفة، ونقباء محامين وأساتذة متخصصين في القانون الدستوري. كما أُقيمت الندوة بمبادرة من الدكتور أسعد عساكر
وفيما يلي نص الكلمة التي ألقاها قليموس:
"لبنان وفرنسا: مئة عام من الممارسة الدستورية في خدمة دولة القانون
السيد جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ، السيدات والسادة أعضاء مجلس الشيوخ، معالي الوزراء والنواب، سعادة سفير لبنان في فرنسا الأستاذ ربيع الشاعر، أيها الحضور الكريم،
أتيت من لبنان، أرض الأرز الخالد حاملاً إرث شعب ساهم في بناء التاريخ الإنساني بمنح العالم الأبجدية الفينيقية من مدينة جبيل وبجعل مدرسة الحقوق في بيروت، «أم الشرائع» المرموقة، منارةً للفكر القانوني، وبجعل صيدا وصور منارة حضارة وانفتاح وتبادل عبر المتوسط. ان
لبنان أرض قداسة وأرض حرية لأن الحرية هي جوهر هويته، وقبل كل شيء أرض حوار حيث التنوع ليس ضعفاً بل رسالة تاريخية وثروة إنسانية.
جئت اليوم لا لأتحدث فقط عن مئوية دستورنا، بل لأحيي أيضاً الصداقة العريقة التي تجمع لبنان بفرنسا منذ قرون، إذ يشترك شعبانا في الإيمان بسيادة القانون وكرامة الإنسان وقوة المؤسسات.
يشرفني هذا اليوم ان اكون متكلماً من على منبر هذا الصرح الدستوري التاريخي العريق والذي يمثل رسالة الديمقراطية الفرنسية منذ مئات السنين.
عام 1926 شكّل محطة تأسيسية في تاريخ لبنان الدستوري. فقد استلهم الدستور اللبناني المبادئ الكبرى للجمهورية الفرنسية الثالثة مع مراعاة خصوصيات المجتمع اللبناني، فأرست نظاماً برلمانياً قائماً على فصل السلطات وتوازنها، وحماية الحريات العامة واحترام الشرعية.
لقد لعبت فرنسا دوراً حاسماً في هذه المسيرة الدستورية، إذ نقل إلينا الفقهاء الفرنسيون مبادئ الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 والتقاليد الجمهورية الكبرى. ومع ذلك لم يكن دستور لبنان مجرد نسخة عن نموذج أجنبي، بل أكد تدريجياً هويته الخاصة المتكيّفة مع غنى لبنان البشري والثقافي والديني.
إن فكر ميشال شيحا يبقى مكرسا في وطننا، إذ انه اعتبر أن تنوع لبنان ليس ضعفاً بل ثروة، شرط أن يُنظَّم ضمن دولة قوية قائمة على المواطنة والحرية واحترام المؤسسات والتوازن بين مكونات الأمة وان هذه الرؤية تلتقي مع ما قاله إرنست رينان بأن الأمة تقوم قبل كل شيء على إرادة العيش المشترك وهي ارادة كرستها مقدمة دستورنا اللبناني.
لقد ارسى الميثاق الوطني استقلال لبنان وأكد على مبدأ الشراكة الوطنية المتوازنة بين مكونات الأمة، معبّراً عن قناعة أن لبنان لا يزدهر إلا بالاعتراف المتبادل والثقة والمشاركة في بناء الدولة. وبعد سنوات الحرب المأساوية، فتح اتفاق الطائف مرحلة دستورية جديدة، فأكد في التعديلات الدستورية على وحدة ونهائية الوطن اللبناني بحدوده المعترف بها دولياً وعلى بسط سلطة الدولة بصورة كاملة والمساواة بين المواطنين والتمسك بالحريات العامة وبالمبادئ الديمقراطية.
إن الدستور ليس نصاً جامداً، بل أداة حيّة تحفظ المبادئ الأساسية وتتكيف مع التحديات الجديدة. ومن هنا جاء إنشاء المجلس الدستوري ليكون الضامن لسمو الدستور، ولتوازن السلطات، ولحماية الحقوق الأساسية، ولانتظام الحياة الديمقراطية.
واليوم، وبينما تواجه ديمقراطيتنا تحديات جسيمة، تبدو العدالة الدستورية أكثر من أي وقت مضى ضمانةً أساسية لدولة القانون وللاستقرار المؤسسي ولثقة المواطنين.
إن استقلال المؤسسات ليس امتيازاً للقضاة الدستوريين، بل هو ضمانة للأمة بأسرها. فكلما كانت المؤسسات مستقلة كان الدولة أقوى، وكلما احترم القانون كانت الديمقراطية أرسخ.
وهنا تبرز أهمية الدور المستقل للمجلس الدستوري اللبناني في مراقبة دستورية القوانين ومدى توافقها مع مقدمة الدستور ونصوصه كافة وذلك بعيداً على أي تأثر بالواقع السياسي خاصة وانه يكمل الدور الدستوري الممنوح لرئيس الجمهورية كحارس للدستور وساهر على تطبيق اركانه سنداً للمادة /49/ منه.
وفي هذه المناسبة، أحيي المبادرات التي أطلقها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لإعادة بناء الدولة وحماية الوطن وتعزيز احترام الدستور وتقوية المؤسسات، إذ انها تجسد إرادة التأكيد على سيادة القانون كأساس للاستقرار الوطني.
إن مسؤوليتنا الجماعية تفرض علينا إعداد المستقبل عبر ترسيخ الثقافة الدستورية وتعزيز استقلال القضاء وجعل روح الدستور تسمو على المصالح الخاصة.
ان لبنان يملك إرثاً دستورياً فريداً وهو مختبر للحوار بين الثقافات والأديان والأنظمة القانونية. وان فرنسا، التي رافقت ولادة دستورنا عام 1926، تبقى اليوم شريكاً مميزاً في الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان ودولة القانون لأن هذه القيم هي اساس وجود لبنان.
أيها السادة، بينما يستعد لبنان للاحتفال بمئوية دستوره، فإن أنظارنا لا تتجه فقط إلى الماضي بل إلى المستقبل، وذلك لنورث الأجيال القادمة دولة قائمة على سيادة القانون على مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وديمقراطية وفية لروح دستورنا.
ورغم المحن التي مر بها لبنان فهو لم يتخلَّ يوماً عن رسالته: أرض الحرية والتعددية والحوار والإبداع، يبقى رسالة حرية وعيش مشترك ورجاء للعالم، كما قال عنه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني.
يعيش لبنان نظاماً سياسياً فريداً، إذ انه انتقل بعد اتفاق الطائف عام 1989 من نظام برلماني أورلياني إلى نظام برلماني شبه كلاسيكي طائفي بخصوصية معينة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوفيق بين قواعد النظام البرلماني ومتطلبات المشاركة الطائفية في السلطة، شرط ألا تتعارض المشاركة مع أسس النظام البرلماني.
لقد نقلت تعديلات عام 1990 السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، مع احتفاظ الرئيس بصلاحيات أساسية أبرزها المشاركة في تشكيل الحكومة وترؤس اجتماعات مجلس الوزراء عند حضوره، ورد القوانين إلى مجلس النواب لإعادة مناقشتها، ومراجعة المجلس الدستوري اضافة الى صلاحيات أخرى.
ولكن صلاحية الرئيس في طلب حل مجلس النواب أصبحت مقيدة بشروط معقدة، مما أضعف التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وهذا يستدعي إصلاحات دستورية تضمن استقرار المؤسسات وصون صيغة العيش المشترك.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تنسجم نصوص الدستور الحالية مع الدور الموكول لرئيس الجمهورية كحارس وضامن للدستور وفق المادة /49/؟
إن القسم الذي يؤديه رئيس الجمهورية بموجب المادة /50/ من الدستور يفرض عليه اتخاذ قرارات صريحة خدمةً للمصلحة الوطنية عندما تُهدَّد صيغة العيش المشترك أو تُنتهك المبادئ الدستورية وسيادة الوطن.
وهنا يكمن الدور الأخلاقي لفرنسا، التي كانت شاهدة على إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 وعلى إقرار دستور العام 1926، وهي مدعوة اليوم لدعم الدور الدستوري والوطني لرئيس الجمهورية اللبنانية في مواجهة الانقسامات الداخلية الحادة ومواجهة الأخطار الخارجية.
إن المصلحة الوطنية تقتضي بسد الثغرات الدستورية ليصبح دستورنا نموذجاً تستلهمه أنظمة المنطقة لضمان استقرارها، وليكون عيشنا الوطني المشترك مصدر غنى وقوة.
- لقد آن الآوان لتطبيق اللامركزية الادارية الموسعة كما أقرها اتفاق الطائف في ظل الانماء المتوازن بين المناطق ودولة قوية وعادلة.
- فليكن القرن الثاني لدستور لبنان فرصة لتحقيق رسالته: لبنان سيد مستقل، وفيّ لميثاقه الوطني، متمسك بالعيش المشترك، منفتح على العالم، محايد تجاه الصراعات، ومتجذر في قيم العدالة والحرية والسلام.
اسمحوا لي أن أختم بكلمات الجنرال شارل ديغول التي قالها في بيروت سنة 1941: "ان اسم لبنان وحده يجعل في قلب كل فرنسي جديراً بهذا الاسم، شيئاً خاصاً جداً يتحرك."
واليوم وبعد قرن من ولادة دستورنا اود أن أجيب على هذه الكلمات بوعد جديد:
ان يبقى لبنان وفياً لتاريخه، لحريته، لسيادته ولدستوره.
وأن يبقى لبنان جسراً بين الشرق والغرب وان تستمر الصداقة الفرنسية اللبنانية التي نسجتها قرون من التاريخ في حمل مثل أعلى مشترك: مثل دولة القانون والحرية والكرامة،
لقد جئتكم من بلاد الأرز حاملاً في قلبي لبنان الخالد.
ما دام لبنان وفياً لدستوره، وما دامت مؤسساته تحمي حريته، وما دامت الصداقة الفرنسية اللبنانية حية في القلوب فلن يتوقف قلب لبنان ابداً عن الأمل.
عشتم أيها الأعزاء، عاشت الصداقة الفرنسية-اللبنانية، عاشت فرنسا حرة أبية، المجد لك يا وطني لبنان".






