6:21 AMClock
صحف
  • Plus
  • Minus

من شاحنة الحريري إلى شاحنة ضهر البيدر

تكشف حيثيات توقيف شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر في 5 تشرين الأول 2026 عن حيثيات شاحنة المتفجرات التي اغتال بواسطتها "حزب الله" الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. شاحنة ضهر البيدر تم اكتشافها قبل التفجير. شاحنة الحريري تم التوصل إلى معرفة هويتها بعد التفجير. ولكن كان قد فات الأوان. المسألة لا تتعلّق بالحريري وحده بل بالنهج الذي سار عليه "حزب الله"، ويقضي بالتخلّص من كل من يقف في طريقه. وهو نهج معلن ومكشوف ولا يستحي به.

أن يتّصل وزير خارحية أميركا ماركو روبيو برئيس جمهورية لبنان جوزاف عون مساء الخميس 15 تشرين الأول الحالي، لكي يحدّثه عن شاحنة الموت التي أوقفتها قوى الأمن على حاجز ضهر البيدر، فهذا يعني أنّ عين واشنطن مفتوحة هذه المرة، ولا يمكن التساهل في ما يمكن أن تعتبره سقوطًا كاملا للدولة في المواجهة المفترض حصولها مع "الحزب" من أجل أن تكون دولة. وهذا يعني ربما أيضًا أنّ عين واشنطن لم تكن بعيدة عن اكتشاف هذه الشحنة وغيرها من الشحنات التي تصل على ظهور الحمير آتية من سوريا.
طريقة تعاطي "حزب الله" مع هذه القضية تكشف خلفيات الطريقة التي اعتمدها في تنفيذه قرار اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لم يكن لدى "الحزب"، أي خجل أو خوف أو تردد، من الإعلان عن أن هذه الشاحنة، بما فيها من متفجرات، تابعة له. تباعًا خرج مسؤولون في "الحزب" للإعلان عن هذه الملكية ومن داخل مجلس النواب. بدأ النائب إبراهيم الموسوي ثم تبعه النائب حسن فضل الله. الموسوي كان يحكي بصورة أولية وكأنه يريد أن تستجيب له السلطة وتطلق سراح عنصري "الحزب" اللذين كانا ينقلان الشحنة والشاحنة، على قاعدة "خلّينا نضب الموضوع وبلا شوشرة". وعندما لم يحصل ذلك، خرج النائب حسن فضل الله ليتبنى العملية وليكشف عنها وليعلن أن العنصرين من "الحزب" ليسا المسؤولين فقط، بل إنّ العملية كلّها هي قرار حزبي ويتحمّل "الحزب" مسؤوليتها. ولذلك هدد السلطة وطالب بإعادة ما للحزب للحزب. حتى قبل أن يحكي الموسوي وفضل الله لم يخْفِ العنصران هويتيهما وطبيعة عملهما. منذ البداية وكما ظهر من خلال التسريبات، قالا إنّهما من "الحزب" وإنّ هذه المتفجرات تخصّ "الحزب"، وكشفا عن الشخص الذي سلّمها إليهما وهو مسؤول في "الحزب"، الحاج ساجد، وعن الشخص الذي كان سيتسلّمها منهما، وهو مسؤول في "الحزب"، الحاج ذو الفقار.

بين الحاج ساجد وذو الفقار
ربّما هناك أكثر من حاج ساجد في "حزب الله". آخر من تمّ التداول بأسمائهم مع هذا اللقب أعطي اسم الدكتور حسين بردى، أو حسين أبو الرضا، وهو إحدى الشخصيات البارزة في الحزب، قيل إنه كان مسؤولا عن الوحدة 3300 وسرايا المقاومة والتواصل مع الأحزاب الحليفة لـ"حزب الله". وقيل أيضًا إنه قدم استقالته عام 2020 على عهد السيد حسن نصرالله. وعاد إسمه إلى الظهور في المرحلة التي بدأ فيها الحديث عن استبدال الحاج وفيق صفا مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب أواخر عام 2025. ولكن بعدما قدم استقالته من موقعه الذي شغله على مدى نحو عشرين عامًا، تم تعيين شخص آخر محله هو حسين العبدالله. ولم يتم التأكيد على ما إذا كان هو نفسه حسين بردى أو أبو الرضا.
أما لقب "ذو الفقار" فكان أكثر من اشتهر به في "الحزب" مصطفى بدر الدين، الذي كان الرجل الثاني في القضايا الأمنية والاغتيالات بعد عماد مغنية، والذي اتهمته لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري بأنّه هو الذي خطّط وأشرف على تنفيذ العملية. وقد تمّ اغتياله بصاروخ موجّه في أحد مقرات "حزب الله" في دمشق قرب المطار في 13 أيار 2016.

بين الحريري ونواف سلام
هل ثمة رابط بين ذو الفقار الأول وذو الفقار الحالي؟ وبين اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 وبين هذه العملية؟ وهل كان الرئيس نواف سلام مثلا أو غيره، هو المستهدف؟ هل بات سلام بالنسبة إلى "الحزب" يمثّل ما مثّله الحريري عام 2004؟
طبيعة تعاطي "حزب الله" مع هذه العملية تشبه طريقة تعاطيه مع التحضير لعملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. يتخذ "الحزب" قرارات من هذا النوع، ليس على خلفية أنها جرائم، بل على خلفية أنها أحكام شرعية يصدرها وينفّذها، ولا يجب أن تقف السلطات الأمنية في طريقه، بل عليها أن تغطي عليه وأن تمسح آثار الجريمة وأن تقفل الملف. هذا ما كان يجب أن يحصل في نظر "الحزب"، وهو ما لم يحصل. بطبيعة الحال لا يدع "الحزب" أجهزة السلطة تعلم بما يخطّط له. لا يشركها في التنفيذ ولا في التخطيط بل يستعملها من دون أن تعلم ما يخطط له. هكذا كان يتعامل مع أجهزة أمن الوصاية والقضاء في عهد الوصاية السورية في الأمن العام والشعبة الثانية وقوى الأمن الداخلي. بطبيعة عمل "الحزب" الأمني الفائق السرية، لا يمكن أن يدع كل هذه الأجهزة تعلم بما يفعل لأنّه يعرف أنها مخترقة ويمكن أن تتسرّب منها معلومات. وبالتالي كان ينفّذ العملية ويترك لهذه الأجهزة أن تنظّف الأرض والملف.

لائحة اغتيالات 2004
قبل العام 2004 لم يضع "حزب الله" الرئيس رفيق الحريري على لائحة الاغتيالات. كان لا يزال مع النظام السوري يتحكّمان بحركة الحريري ويعملان على استغلال قدراته السياسية والدولية في مصلحتهما ويطوّقانه في الداخل بمجموعة من الأتباع وبالأجهزة الأمنية التي يحرّكانها. عندما صدر القرار 1559 في أيلول 2004 قبل يومين من التمديد لرئيس الجمهورية إميل لحود اتخذ القرار باغتيال الحريري. لم يتقبّل النظام السوري و"حزب الله"، مسألة أن يكون الحريري حيًّا منتظرًا تنفيذ هذا القرار الذي صدر في جو دولي داعم للسيادة اللبنانية وقرار سحب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح "الحزب".
بعد أيلول 2004، وكما كشفت تحقيقات لجنة التحقيق الدولية، بدأ الإعداد لتنفيذ قرار اغتيال الحريري. تمّ شراء الشاحنة التي ستستخدم في عملية التفجير. وبطبيعة الحال كان "الحزب" لديه كميات كبيرة من المتفجرات. وتمّ شراء أجهزة الاتصال الخاصة بالمجموعة التي تولّت عملية المراقبة والتنفيذ. وتمّ التخطيط أيضًا لخطف أحمد أبو عدس لاتهامه بتنفيذ عملية الإغتيال. كل هذا السيناريو سقط عندما وصل في 24 شباط 2024 إلى بيروت بيتر فيتزجيرالد كرئيس لبعثة تحقيق دولية مكلّفًا من مجلس الأمن الدولي. وعلى هذا الأساس وبعد تقريره الأول عن ظروف الجريمة ومحاولات طمس معالمها بعد إعطاء أوامر بردم الحفرة التي أحدثها التفجير الضخم، تمّ تشكيل لجنة التحقيق الدولية التي حاول الحزب أن يمنعها من تحقيق أي إنجاز ولكن من دون أن ينجح. 

بين حكومة سلام وحكومة كرامي
عندما تمّ اكتشاف شاحنة متفجرات ضهر البيدر كان "الحزب" يعاني من مأزق أكبر من مأزق القرار 1559 عام 2004. في ذلك الوقت كان لا يزال يمتلك كل مقومات القوة والتحكم والسيطرة بالتضامن والتكافل مع النظام السوري. أبعد الرئيس رفيق الحريري عن الحكم والحكومة وشكل حكومة برئاسة عمر كرامي موالية بالكامل له وللنظام في دمشق، وهي الحكومة التي كان يريد منها تغطية عملية الاغتيال من خلال مسح آثار الجريمة وتولي تشييع الحريري وإعادة الناس إلى أعمالهم بعده. هذا الأمر لم يحصل وأدى إلى دخول "الحزب" في مسلسل أكبر من الاغتيالات لتصفية كل من يمكن أن تكون له علاقة باتهامه ومحاكمته والعمل على نزع سلاحه.

تخلّص "الحزب" من الحريري بعدما اعتبر أنه فقد القدرة على السيطرة عليه، وأنّه صار يشتغل ضدّه. اليوم أيضًا فقد "الحزب" القدرة على السيطرة على الحكم والحكومة أو على الحد من قدرتهما على تنفيذ القرارات الدولية، على رغم أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام تجنّبًا باستمرار الاصطدام مع "الحزب" وفضّلا عدم تنفيذ قرارات الحكومة القاضية باستعادة السيادة ونزع سلاح "الحزب" واعتباره خارجًا عن الشرعية والقانون.
ولكن "الحزب" لا يمكنه أن يبقى في مرحلة الانتظار لأنّه يعتبر أن التنازل والتردّد قد يكلفانه الكثير. فهو يعرف أن حربه مع إسرائيل أفقدته معظم قدراته وأنّه بات عاجزًا عن المواجهة. وهو كذلك يدرك أنّ بقاءه على قيد الحياة مسألة تتعلّق أولا بالتخلّص من الحكم والحكومة بعدما عجز عن تبديل قناعاتهم. فهو لم يخف رغبته في الإطاحة بهما وهدّد بذلك علنًا واتّهم عون وسلام بالخيانة وعقبوتها الإعدام. وبالتالي هل يكون الاغتيال هو المخرج من هذا النفق الذي أدخل "الحزب" نفسه فيه؟ وفي ظلّ كل هذه الوضعية كيف يمكنه أن يقنع الناس أن هذه المتفجرات كانت للاستخدام في الحرب ضد إسرائيل بعدما فقد فيها قدرته على الفعل والتأثير؟ وما يفسر هذا الأمر صمته الحربي وبحثه عن تثبيت وقف النار والهروب من أي إشتباك مع إسرائيل.

نجم الهاشم ـ نداء الوطن

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o