يبدأ لبنان اليوم الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة في ظلَ تداعيات ألقت بها مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية بما أضاف المزيد من الضبابية والإرتباك على المشهد اللبناني. فبالرغم من خضوع بنود المذكرة منذ صدورها لتفسيرات وتقييدات أرادت من خلالها كل من طهران وواشنطن التأكيد أن لها اليد الطولى في السيطرة على مسارات التنفيذ، يحاكي المسؤولون اللبنانيون ـــــــ حسب اختلاف مواقفهم ــــــ هذه المذكرة من خلال ما تختزن ذاكرتهم من انكسارات قسرية أو رضوخ طوعي أمام سلطات الوصاية المتعاقبة التي ألفوها والتي أضحت نمطاً في سلوكهم السياسي لا يمكن مغادرته.
صحيح أن البند الأول من مذكرة التفاهم نصّ على «الإعلان عن الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، وهو ما اعتبرته إيران مؤشراً إلى تثبيت دورها وشراكتها مع الولايات المتحدة في إدارة التوازنات وتقاسم النفوذ بين الأطراف المتقاتلة. غير أن البند نفسه تضمّن أيضاً التزاماً بـ«ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته»، وهو جانب لم يحظَ بالاهتمام الكافي من المسؤولين اللبنانيين، رغم أنه ينطوي على تعهّد إيراني بدعم ممارسة الدولة اللبنانية لسيادتها الكاملة بكل أبعادها، بما في ذلك بسط سلطة الدولة عبر مؤسساتها الشرعية، وتمكين القوى الأمنية والعسكرية الرسمية من السيطرة على كامل الأراضي اللبنانية، وتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة دون سواها.
بيد أن الذعر غير المبرّر الذي سيطر على فريق من المسؤولين، في مقابل اندفاع الفريق الآخر نحو الارتهان لوصاية جديدة أو محاولة إحياء وصاية آيلة إلى الزوال، حال دون امتلاك الحد الأدنى من الثقة بالنفس أو القدرة على قراءة البيان المشترك الباكستاني–القطري بموضوعية. فقد نصّ البيان بوضوح على «إنشاء خلية لإدارة النزاعات بإشراف الوسطاء لضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان، ومتابعة الخطوات الواجب اتخاذها في هذا الصدد». وقد شكّل هذا البند محور اتصال هاتفي تلقاه فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني. وخلال الاتصال، شدّد فانس على ضرورة وضع آلية لنزع سلاح حزب لله، بالتوازي مع العمل على حماية أمن إسرائيل وصون سيادة لبنان.
وبالعودة إلى المادة الأولى من مذكرة التفاهم، فقد ورد فيها، وفقاً لشبكة CNN: «تعلن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، إلى جانب حلفائهما في الحرب الراهنة، عند توقيع مذكرة التفاهم هذه، عن إنهاء فوري ودائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهدان بألا تشن أي منهما أي عمل عدائي ضد الأخرى من الآن فصاعداً، وبأن تمتنعا عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما البعض، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته». وهذا يعني ليس فقط موافقة إيران على إنهاء الحرب بين لبنان وإسرائيل بل المشاركة في ضمان عدم وقوع إي إشتباكات عبر الحدود مما ينفي الحاجة للإبقاء على سلاح حزب لله.
يدرك رئيس الجمهورية أن البند الأول في مذكرة التفاهم الذي أعاد إيران إلى صلب المعادلة اللبنانية لم يأتِ من فراغ ولم تنتزعه طهران عنوة، بل هو وليد قرارات غير ناضجة وسلوك غير مسؤول في التعامل مع سلاح حزب لله بعد توقيع اتّفاق 27 نوفمبر 2024، كما هو نتاج عدم التحلي بشجاعة المحاسبة لعدم تطبيق قرار الحكومة في 5آذار 2025.
لقد انتقل رئيس الجمهورية عبر التأكيد على حق لبنان الحصري في التفاوض عن نفسه وعلى دور الدولة في حماية اللبنانيين، وأن الدولة، لا الطوائف، هي التي تحمي جميع اللبنانيين إلى موقع المواجهة مع منطق حزب لله ومن خلاله مع الجمهورية الإسلامية التي تبالغ في تحميل مذكرة التفاهم سقوفاً عالية عبر التأكيد على دخولها رسمياً في المعادلات الأمنية اللبنانية من خلال مشاركتها في «آلية فض النزاعات».
وبهذا فإن مهلة الستين يوماً القادمة والمخصصة للتفاوض بين واشنطن وطهران قبل التوصل لاتّفاق نهائي تشكل مهلة اختبار حقيقية ونهائية للبنان لاستعادة المبادرة من خلال النجاح في التأكيد على قراره المستقل عبر منصة التفاوض المباشر في واشنطن رغماً عن حزب لله. وبالتالي يصبح النجاح في تطبيق خطة المناطق التجريبية بما يشطب التجربة السابقة التي فشلت في السيطرة العملانية الحقيقية على جنوب الليطاني نهاية العام المنصرم الممر الحقيقي والحصري لعودة الدولة في لبنان.
فهل زوّد الوفد المفاوض بما يكفي لتجاوز عقدة المناطق التجريبية، وهل ينجح الرئيس جوزاف عون هذه المرة في العبور بلبنان الى الدولة؟
العميد الركن خالد حماده - اللواء






