Jun 1, 2026 11:06 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

بين خطاب الانتصار وواقع الميدان...

كتب العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد:

تتّهم إيران الولايات المتحدة بالمراوغة، وتتّهم الرئيس الأميركي بالكذب. في المقابل، يتحدث ترامب بلغة المنتصر، ويقدّم المشهد وكأن إيران انتهت أو أُجبرت على التراجع. وبين الروايتين، تكثر التناقضات وتضيع الحقيقة وسط ضجيج التصريحات والحروب الإعلامية.
ما يبدو واضحًا حتى الآن هو أن الاتفاق الشامل لا يلوح في الأفق، لكن هناك مصلحة مشتركة لدى الطرفين في تجميد المواجهة المباشرة وإطالة الوقت. كل طرف يحاول أن يطبخ "وليمته السياسية" على نار هادئة قبل أن يوزع نتائجها على جمهوره وحلفائه وينتظر ما قد يتبدل على الأرض.

فإذا كان ترامب يكذب كما يقول الإيرانيون، فلماذا لا تعود إيران إلى القتال بالشراسة نفسها؟ وإذا كانت الولايات المتحدة لا تثق بإيران كما تؤكد دائمًا، فلماذا لا تعود إلى تنفيذ تهديداتها؟ الجواب الذي يفرض نفسه أن كلاً من الطرفين يدرك حدود قدرته وحدود المخاطر التي قد تنتج عن العودة إلى مواجهة مفتوحة. لذلك يبدو أن الوقت أصبح سلاحًا بحد ذاته، وأن سياسة الانتظار تخدم مصالح الجميع أكثر مما تخدمهم المغامرات الكبرى.

ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا يبدو الموقف الإيراني صامتًا إلى حد كبير حيال ما يجري في الجنوب اللبناني؟ فإذا كانت طهران تؤكد باستمرار أنها معنية بما يجري في المنطقة وبمصير حلفائها، فمن حق كثيرين أن يتساءلوا عن أسباب هذا الصمت أو هذا الاكتفاء بالمواقف العامة في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية وتتزايد الخسائر. وهل يمكن أن يكون هذا الصمت جزءًا من حسابات أوسع تتصل بالمفاوضات الجارية وبإدارة الوقت؟ وهل تلتقي المصالح الإيرانية والأميركية، ولو بصورة غير مباشرة، عند نقطة تأجيل الحسم وإطالة أمد التفاوض، بما يمنح إسرائيل فرصة إضافية لترسيخ وقائع جديدة على الأرض وتحقيق المزيد من المكاسب الميدانية؟ قد يكون هذا الاستنتاج صحيحًا أو خاطئًا، لكن مجرد طرحه أصبح مشروعًا في ظل مشهد يبدو فيه الجميع منشغلين بحسابات السياسة الكبرى، فيما يبقى الجنوب وأهله في مواجهة الخطر اليومي ودفع الأثمان الأكبر.

وفي منطقتنا، تستمر الأعمال الحربية بعنف. ومن الطبيعي أن يتكبد المهاجم خسائر، فالحروب لا تُخاض بلا أثمان. ومن الطبيعي أيضًا أن يدافع المدافع عن أرضه، سواء كان قراره نابعًا من إرادته الذاتية أو من التزامات يراها مفروضة عليه. ومن الطبيعي أكثر أن يخرج الطاقم السياسي بخطاب انتصار يطمئن بيئته ويحافظ على معنوياتها، فهذه سمة ملازمة لمعظم الحروب والصراعات.

لكن السؤال الحقيقي ليس ما يُقال اليوم، بل ما الذي سيُقال غدًا إذا أثبتت الوقائع عكس الخطابات؟ ماذا سيُقال إذا استمرت الخسائر؟ وماذا سيُقال إذا تبدلت المعادلات على الأرض بصورة لا يمكن إنكارها؟
كلنا نعلم أن ما يجري لا يشبه وقفًا فعليًا لإطلاق النار، ونعلم أيضًا أن قرار التصعيد أو التهدئة لا يخضع دائمًا لرغبات الأطراف المحلية وحدها. لذلك يصبح من حق الناس أن يتساءلوا: لماذا لا نمتلك شجاعة الاعتراف بالواقع كما هو؟ ولماذا لا نبحث عن مخرج مشرّف قبل أن نجد أنفسنا أمام خيارات أكثر قسوة وإيلامًا؟
لقد دفع لبنان أثمانًا باهظة من أرضه واقتصاده ومستقبل أبنائه. وربما آن الأوان للعودة إلى منطق الدولة، وتسليم القرار الوطني إلى مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية والجيش، والخروج من دوامة السلاح والحروب المفتوحة التي لم تنتج سوى المزيد من الدم والدموع والخراب.

رأفةً بما تبقّى من هذا الوطن، ورأفةً بأهلنا في الجنوب الجريح المحتل، الذين يدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وبيوتهم وأرزاقهم. فلا يوجد أب أو أم أو زوجة أو ابن لا تعني له قطرة الدم الكثير. نتألم مع كل شهيد، ومع كل جريح، ومع كل منزل يُهدم، ومع كل عائلة تُهجّر.
لذلك نقول: كفى تعنّتًا، وكفى رهانًا على الحروب. ولنعد إلى الوطن، إلى الدولة، إلى الحياة، قبل أن يصبح ما يمكن إنقاذه اليوم مجرد ذكرى نندم عليها غدًا.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o