المركزية- نظّم المعهد السويدي- الإسكندرية مؤتمراً دولياً عنوانه "نظرات في دور الدين في الدبلوماسية والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية"، في فندق ألف/جبيل، شارك فيه دبلوماسيون وباحثون جامعيون من أميركا وأوروبا وبلدان المغرب العربي والشرق الأوسط. ومن بينهم السفير ومدير المعهد السويدي في الإسكندرية بيتر ويديرود، وسفير السويد في لبنان يورغن ليندستروم، وسفير فنلندا في لبنان متّي لاسّيلا، أوليفر ماك ترنان مدير معهد الفكر والتواصل في لندن، لويدجي ناربون سفير المجموعة الأوروبية في السعودية والكويت، ماري دومولين مسؤولة الشؤون الدينية في وزارة الخارجية الفرنسية. المطران خورين توغرامدجيان رئيس أساقفة الأرمن الأرثوذكس في قبرص، المطران يوسف سويف رئيس أساقفة الطائفة المارونية في قبرص، طالب أتالي مفتي عام جمهورية شمال قبرص التركية. السيدة سالبي إسكيدجيان منسّقة مكتب الشؤون الدينية- قبرص. خالد شوكات وزير سابق وناطق باسم الحكومة التونسية، محرزية العبيدي عضو مجلس النواب في تونس. الدكتور أحمد إيرفاني رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في واشنطن، منذر فتفت كبير المستشارين في السفارة الأميركية في بغداد. فاروق لوغلو سفير تركيا السابق في واشنطن. الشيخ يوسف بلمهدي أمين عام تجمّع العلماء وأئمة الساحل في الجزائر، حيدر الخوئي مدير العلاقات الخارجية في معهد الإمام الخوئي في بغداد، عمر الشوباكي، عضو مجلس الشعب في مصر ومدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية. ومثّل لبنان في المؤتمر مجموعة من الباحثين: لويس صليبا مدير أبحاث في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اليسوعية. عبدالغني عماد عميد سابق لمعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية. وأنطوان قسطنطين صحافي وأستاذ جامعي.
افتتح المؤتمر السفير بيتر ويديرود مدير المعهد السويدي. فقال إنه المؤتمر الأول الذي نعقده في لبنان، وقد اخترنا مدينة جبيل بالذات لأنها حاضرة عريقة وقد عُرفت عبر تاريخها بتنوّعها الثقافي والديني. ومن أبرز أهداف معهدنا التنشئة على ثقافة الحوار وتعميمها في منطقة الشرق الأوسط، وجمع أفراد من مختلف الأطياف والتلاوين في هذا السبيل. والمساهمة في العمل على حلّ النزاعات بالوسائل السلمية.
وتلاه لويس صليبا، في مداخلة بعنوان "جبيل مدينة السلم الأهلي والتنوّع الثقافي والديني". عرض فيها تاريخ جبيل في العصور الثلاثة: القديم والوسيط والحديث. مشدّداً على أنها كانت دوماً مدينة السلام والتعدّدية. ففي العصر الفينيقي كانت مكة الفينيقيين وكعبتهم كما قال عنها المستشرق الأب لامنس. وأظهرت الاكتشافات الأثرية أن معابدها ضمّت نُصُباً لآلهة الفينيقيين والمصريين واليونان والرومان. وكلٌّ يعبد إلهه في المعبد نفسه. وهذا درس بليغ في الانفتاح الديني والمرونة الفكرية والروحية. وأظهرت الاكتشافات أيضاً أنه في المدرسة الواحدة في جبيل كانت تدرّس اللغات الفرعونية والفينيقية والرافدية. فتعدّد اللغات سمة بارزة للثقافة الجبيلية. وفي زمن الصليبيين كانت جبيل حاضرة مزدهرة يأتيها الأوروبيون لتعلّم العربية والعرب لتعلم لغة الفرنج. وفي الزمن المعاصر حافظت على تعدّديتها. فحمى مسيحيّوها المسلمين فيها من ردّات الفعل في مجازر 1860. كما حافظت على نسيجها المتنوّع طيلة الحرب الأهلية 1975-1990. ولم تعرف التهجير ولا الأحداث الدامية.
وفي الجلسة الثانية عرض الوفد التونسي للتجربة التونسية بعد ثورة الياسمين. وممّا قاله الوزير خالد شوكات: "رغم أن 99% من الشعب التونسي هم من العرب المسلمين السنّة وعلى المذهب المالكي فتونس بلد التعدّدية الفكرية، ومختلف التيارات الدينية والعلمانية وحتى الإلحادية تسعى للتعايش فيها. والمشكل ليس سياسياً ولا قانونياً، بل بالحري فكري: قبول التونسي الذي يتشيّع أو يصير مسيحياً، أو بهائياً. والاعتراف بحقّه في الاختلاف وبهويّته.
أما النائبة محرزية العبيدي عضو البرلمان التونسي فأكّدت أن التغيير الحقيقي هو القادم من الفرد ومن الداخل. وتونس تحتاج التعدّدية والحرية.
وعرض الوفد اللبناني في ندوة خاصّة التجربة اللبنانية. وجاء في مداخلة أنطوان قسطنطين: بدايةً، أشكر منظّمي هذه الندوة وفي مقدّمهم المعهد السويدي في مدينة الإسكندرية، التي شكّلت مع جبيل في العالم القديم، منارة علمٍ وتجارة، فتركتا في حوض المتوسط أثراً حضارياً عظيماً وتشكّلت حول هذا البحر وبفضله أول عولمة في التاريخ. لقد أَدركت جبيل بفطرة إنسانها ووعيه، أن السلام أساس الازدهار وأن احترام حريّات الآخرين ومعتقداتهم، أساس السلام بين الشعوب. وعليه، أقام الجبيليّون قبل خمسة آلاف سنة معابد ومقامات تكرّم آلهة الوافدين إلى الميناء الجبيلي من تجّار وطلاب عِلم. معابد الجبيليين فتحت أبوابها للمصريين واليونانيين والرومان والفرس وغيرهم. هكذا، تكرّست جبيل مدينة حوار وتواصل وانفتاح وتسامح، وخرجت منها أول دبلوماسية دينية في التاريخ.
ايها الحضور الكريم، طُلب إلينا أن نتفحّص التجربة اللبنانية في إطار مؤتمر، توحي إشكاليته بأن الدين مهمّش وتمثيله ناقص في الحياة العامة. اسمحوا لي أن أعترض على هذه الإشكالية لأن مسار الأحداث في العالم، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، يدلّ على أن العامل الديني فرض نفسه، وأخذ مكانته وطغى بحضوره، خصوصاً في بلدان شرق المتوسّط وشمال أفريقيا والخليج العربي وإيران وجوارها الآسيوي. كيف لم يأخذ العامل الديني مكانته، وقد تحوّل الصراع العربي- الإسرائيلي من صراعٍ سياسيّ على أرض محتلة، إلى صراع دينيّ حول أرض مقدّسة؟ كيف لم يكرّس الدين دوره في المساحة العامة، وقد كان في أساس قيام السلطة منذ أيام الرومان وفي أزمنة الخلافة الإسلامية، حتى الأمس القريب؟ ألم تستخدم الدول المستعمرة الدين أداة بعد الحرب الكونية الأولى للترويج لثقافتها ولاقتصادها؟ من ينكر، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وزن العامل الديني في حياة روسيا الاتحادية ودوره في تمدّدها السياسي والاقتصادي؟ من يتجاهل مدى استفادة الولايات المتحدة الأميركية من نمو التبشير البروتستاني؟ من ينكر أثر الدين الهندوسي في صعود الفكر القومي الهندي؟ من يجهل الإمكانات الهائلة التي ترصدها السعودية وإيران لنشر الأفكار وبناء السياسات عبر الدبلوماسية الدينية لكلّ منهما؟ ألم تُنشئ فرنسا العلمانية في العام 2009، دائرة خاصة بالأديان في حرم وزارة الخارجية، أوكلت إدارتها للباحث اللبناني الأصل جوزف ميلا؟ لقد دخل الدين كمعيار جديد قديم في العلاقات الدولية، بحيث إنه لا توجد دولة واحدة تتنكّر له حتى في تشريعاتها.
لقد صار عالم اليوم دينياً أكثر من أي وقت مضى، ولنا أن نتلمّس أثره في التحوّلات التي أصابت تركيا الأتاتوركية العلمانية، وروسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفياتي بنظامه الشيوعي الإلحادي.
لنا أن نتوقّف عند قوة الدبلوماسية الفاتيكانية في مقاربة قضايا لادينية، مثل الاحتباس الحراري وأزمات البيئة والهجرات الكثيفة للشعوب بسبب الفقر والتغيير المناخي وبسبب النظام المالي العالمي الذي يولّد ظلماً اجتماعياً.
باختصار، إذا كان القرن العشرون، قد بالغ في تجاهل العامل الديني في بداياته، فإن ثمانينات هذا القرن وما تلاه حتى الآن، شهدت صعوداً واضحاً للفكر الديني وتأثيراته في الأفراد والمجتمعات والدول.
بالعودة إلى الحال اللبنانية، قد تكون الدولة اللبنانية الدولة الوحيدة المحايدة دينياً، بين مجموع الدول العربية التي ينص دستورها على أن الإسلام دين الدولة. وبالحدّ الأدنى يقع لبنان في محيط يتراوح حجم الحضور الديني فيه، بين تكريس الهوية الدينية للدولة، كما هي الحال في إسرائيل والسعودية وإيران، أو تكريس دين رئيس الدولة كما هي الحال في سوريا، أو اعتبار الدين المصدر الرئيسي للتشريع، كما هي الحال في مصر.
الدولة اللبنانية في الفقه الدستوري، لا دين لها، بل إن طابعها مدني، وتحمل حتى سمات العلمنة. ولكن الدولة في جوهر دستورها، تحتضن التنوّع الديني، وتؤدي فروض الإجلال للخالق، من دون الالتزام بدين معيّن. وتعطي للطوائف المعترف بها، حقوقاً دستورية، كمثل التحكّم بقوانين الأحوال الشخصية.
إن المادة التاسعة من الدستور، تحفظ حريّة المعتقد، لكن القوانين تقيّد هذه الحريّة وتحجّمها، بمعنى أن للبنانيين الحق في الانتماء فقط إلى الأديان والمذاهب المعترف بها قانوناً. أما الانتماء إلى أي معتقد خارج المجموعة المكرّسة في القانون، فيحرم صاحبه ليس فقط من الحقوق السياسية والوظيفية، بل يجرّده من أحواله الشخصية، لأنه لا قانون للأحوال الشخصية خارج قوانين الطوائف.
فماذا لو كان اللبناني بهائياً أو أزيدياً أو هندوسياً أو لا دينياً؟ حريّة المعتقد محميّة بالدستور، لكنّها منتقصة بالواقع القانوني. ولا تستقيم إلا بإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية ولو كان اختيارياً. عندها تكون المادة التاسعة من الدستور ضامنة فعلاً لحريّة المعتقد. أما في الوضع الراهن، فإن قوانين الدولة تنتهك المادة التاسعة من دستورها وتنتهك معها شرعة حقوق الإنسان التي يستند إليها الدستور.
هذه نظرة للبنان من داخله، أما النظر إليه من خارجه، فيجعلنا نرى أنه لا يزال متقدّماً بما لا يُقاس عن محيطه، في الترجمة السياسية والحقوقية والمجتمعيّة، لتنوّعه الطائفي. لقد بدأت قصة ولادته بنضال أقليّتين، هما الموارنة والدروز في جبل صغير، أرادوه ملجأً لممارسة معتقداتهم بحريّة في زمن طغيان الدولة الإسلامية لقرون طويلة. هذا اللبنان الذي نحتفل بعد أقل من ثلاث سنوات، بالمئوية الأولى لولادة دولته، هو فعل إرادة تشاركت فيها، على مراحل وعلى درجات، مكوّناته الطائفية كلّها. إنه تراكم اختبارات صعبة في حياة مشتركة، لم تخلُ من نزاعات دموية. لكنّها حياة أفضت إلى صيغة ميثاقية تكرّس في جوهرها ما حدّده الاتحاد الأوروبي شرطاً للدول التي تريد الانتماء إليه. وأعني بذلك: روح الانفتاح والتسامح والتعدّدية. هذه القيم الثلاث التي تستند إليها الديمقراطية الأوروبية، اكتسبها اللبنانيون بالاختبار المشترك بالعيش معاً، قبل أن يعتمدها الاتحاد الأوروبي معياراً للانتماء إليه. لقد احتجنا إلى عشرات السنين قبل أن يصعد رئيس جمهوريّتنا إلى منبر الأمم المتحدة، معلناً بثقة أن لبنان يعتبر نفسه مؤهلاً لأن يكون مركزاً لحوار الحضارات والأديان والأعراق، وأن يستضيف لهذه الغاية، منظّمة جديدة من منظمات الأمم المتحدة، تكون مهمتّها تطوير ثقافة السلام في العالم. إننا نطرح من موقع التجربة إدارة التنوع كحلّ سلمي لنزاعات العالم المعاصر.
لم تكن إدارة التنوّع أمراً سهلاً في بيئةٍ يتحكّم الشرع الإلهي بمفاصل تاريخها ومجتمعها وإنسانها. بيئة تربّت على ثقافة التميّز عن الآخر لا بل الامتياز عنه. ثقافة جعلت اليهود يؤمنون بأنهم شعب الله المختار. ويتصرّفون على هذا الأساس، وجعلت المسلمين يؤمنون بأنهم خير أمّةٍ أخرجت للناس، ويتصرّفون أيضاً على هذا الأساس.
في بحر هذه الثقافة الدينية الحادة، خاض المسيحيون في الشرق مغامرة الانتماء إلى الأوطان والقوميات المستوعِبة للطوائف الدينية. نترك للتاريخ أن يحكم على نجاح هذه التجربة في دولتي سوريا والعراق اللتين نشأتا بعد الحرب العالمية الأولى. ونتوقف عند التجربة اللبنانية منذ تأسيس الدولة بعد الحرب الكونية الأولى أيضاً. إن النصوص التأسيسية للدولة اللبنانية، وأعني بها دستور 1926، وما سبقه وتلاه من أدبيّات قانونية وسياسية، تؤكّد كلّها تنامي وعي عميق واقتناع راسخ بحفظ التنوّع الديني للمجموعات التي تشكّلت منها الدولة. وفي كل مرة وقع فيها الصراع على السلطة بين هذه المكوّنات، كانت الغلبة لاستمرار صيغة الحياة المشتركة والميثاق الحافظ للتنوّع. وبعد كل اختبار، كانت الدساتير والقوانين والأعراف، تكرّس الشراكة السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية والثقافية بين اللبنانيين. شراكة قد تنقصها العدالة أو أنها أحياناً تؤسّس لصراعات جديدة، لكنها شراكة تتلمّس طريقها إلى نظام مستقر يحفظ التنوّع والتعدد في إطار وحدة الدولة.
لقد صعّبت ولادة دولة إسرائيل بطريقة فوقية وقسرية التجربة اللبنانية في إدارة التنوّع. فالعدوان لم يكتفِ باحتلال أرض أو قتل أبرياء، بل سعى إلى تخريب نسيج المجتمع، باقتلاعه الفلسطينيين من أرضهم، ورمي قسم منهم في أرض لبنان، الدولة الفتيّة.
وفيما لا يزال التخريب الإسرائيلي قائماً، واجهت التجربة اللبنانية منذ مطلع الثمانينات تحدّياً جديداً، هو الصراع العربي- الإيراني الذي لبس أيضاً لبوس الدين في صراع مذهبي شيعي- سنيّ تستغلّه مصالح الدول الكبرى، وتفجر على جوانبه حروباً مذهبية، دينية، وتولّد إرهاباً أخطر ما فيه أنه يخرّب العقل والوجدان والنفسيات. ولا داعي للقول إن الإرهاب جعل شعوب هذه البلدان بمجموعها، تدفع ثمناً غالياً. ولا ننحاز إذا أشرنا إلى ما أصاب، مجموعة الأقليات المسيحية والأزيدية في العراق وسوريا، جرّاء هذا الصراع.
في مواجهة هذه المخاطر، لا مجال للهروب أو الاستسلام بل لاجتراح الحلول وتحويل الأزمات إلى فرص. هنا، تبرز قيمة التجربة اللبنانية بما تختزن من روح الانفتاح واحترام التنوّع والتسامح. تجربة تقدّم للبنان كما لمحيطه وللعالم، حلولاً تبدأ بما يشكّل الأساس أي "التربية على رفض العنف"، وقبول وجود الآخر وحقّه في الاختلاف. ولنا في تطوّر الزيجات المختلطة التي توافق عليها الدولة كبر دليل على الانفتاح. التجربة اللبنانية دعوة إلى ثقافة جديدة وأفكار جديدة وسلوك جديد.
دعوة لاعتماد قيم الأديان حلا لصراعات أبنائها. دعوة لمواجهة الإرهاب والحروب بثقافة السلام واكتساب مبادئ العيش معاً، واحترام حريات المعتقد والرأي.
تجربتنا اللبنانية نقيض الداعشية ونقيض دولة الدين الواحد. تجربتنا دعوة لمحاربة الأفكار الهدّامة بأفكار بناءة. فالإرهاب كما التطرّف، هو فكرٌ قبل أن يكون فعلاً. عدواه تنتقل بالأفكار وبوسائل التواصل الإعلامي والإلكتروني أي بأدوات العولمة، تماماً كالاقتصاد والمعرفة.
تجربتنا اللبنانية لا تخلو من السقطات وهي تحتاج حتماً للتطوير لكي تلائم أكثر مقتضيات العصر، لكنها تجربة تصلح لاعتمادها حلّاً سلمياً للنزاعات المسلّحة وصراع العقائد المتحكّم خصوصاً بشعوب الشرق ودوله. الديني سابق للمدني في تكوين وعي الشعوب في هذه المنطقة. لكن التجربة اللبنانية فتحت أمام المدني باباً واسعاً في الدستور كما في التشريع، فما المانع من اعتماد صيغتها حلّاً مرحلياً لحفظ التنوع واحترام التعددية فكرية كانت أم دينية أم عرقية؟
لا سلام ولا استقرار إذا استمرّ الفكر الآحادي الإلغائي مسيطراً، أما تكريس الهوية الدينية للدول، فهو مشروع صراعات لا تنتهي. لبنان بنموذجه، يدعو إلى صيغة أخرى نابعة من تجربته التي تجعل منه رسالة أكبر من وطن بحسب رؤيا يوحنا بولس الثاني. التجربة اللبنانية تريد للدين أن يكون في خدمة السلام داخل المجتمعات وبين الشعوب. تريد للمعطى الإلهي أن يكون قوة دفع إيجابية لقضية السلام والتنمية. التجربة اللبنانية تريد إنهاء أي صراع، وخصوصاً الديني منه بدبلوماسية الانفتاح المرتكزة إلى القيم الأخلاقية والدينية. إنها دعوة لاستبدال قوة السلاح بقوة الحوار. فالقمع العسكري للنزاعات يكبتها ولا يلغيها، لا بل أدّى ويؤدي إلى عسكرة المتديّنين كما نشهد منذ أحداث 11 أيلول وصعود موجات القاعدة وطالبان وداعش وأخواتها. تجربة لبنان جعلته يواجه بصلابة لعنة الجغرافيا، ويحوّل أزماته إلى اقتراحات حلول لنزاعات الآخرين. هذا هو التحدّي المطروح على التجربة اللبنانية، وكلنا مسؤولون عن النجاح، لأن عليه يتوقف سلام العالم، ولا مبالغة في ذلك.
أما العميد عبد الغني عماد فجاء في مداخلته: لبنان تأسّس وفق تركيبة توافقية قامت على أساس العيش المشترك. واتفاق الطائف أوقف الحرب، لكنه لم يؤدِّ إلى صنع السلام. فالإصلاحات التي نصّ عليها لم يطبّق منها شيء، في حين جرى التلاعب بمكوّنات البلد. وحلّ المليشيات وجمع السلاح استثني منه فريق. وكان أداء الطبقة السياسية في خدمة الاحتراب والاستقواء بالخارج. واليوم فنظام التحاصص يُراد له أن يطال النظام الأمني في لبنان. ويستمرّ الارتباط بالمحاور الخارجية عبءاً ثقيلاً على العيش المشترك. وخلص إلى أن العبور إلى دولة المواطنة ذات الطابع العلماني هو خشبة الخلاص.
وفي ندوة رابعة عرض الوفد القبرصي لمساعي حلّ القضية القبرصية. واتفق مفتي عام قبرص ومطران الأرمن فيها على أن هذه المساعي قد سارت شوطاً جيداً، وقد تأتي بنتائج مثمرة قريباً.
وفي ندوة خامسة عرضت ماري دومولين للتجربة العلمانية الفرنسية، وأوضاع المسلمين في فرنسا. كما عرض السفير لويدجي ناربون التجربة الإيطالية في التعدّدية الدينية.
وفي ندوة سادسة عرض الدكتور أحمد إيرفاني والأستاذ حيدر الخوئي للتجربة العراقية ومساعي الحوار السنّي-الشيعي. ونقلا عن المرجع السيد السيستاني قوله: "السنّة ليسوا إخواننا بل أنفسنا".
وشارك المؤتمرون في الحوار في كلّ الندوات. وفي اقتراح السبل الآيلة إلى التقريب بين الفئات والأطياف المختلفة. وخُتم المؤتمر بزيارة للمنطقة الأثرية في جبيل.






