كتب العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد:
في بداية المواجهة الأميركية – الإيرانية، بدا أن واشنطن دخلت المعركة بسقف أهداف مرتفع جدًا. لم يكن الخطاب يتحدث عن تعديل سلوك إيران أو احتواء نفوذها، بل عن كسر الإرادة الإيرانية وفرض معادلة جديدة.
في 6 آذار 2026، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف الخطاب عندما تحدث عن "الاستسلام غير المشروط"، في رسالة حملت معنى واضحًا: المطلوب ليس مجرد تفاوض، بل إخضاع الطرف الآخر وفرض شروط المنتصر.
بعد ذلك انتقل الخطاب إلى لغة المهل والإنذارات. ففي 21 آذار 2026 أعلن ترامب مهلة 48 ساعة مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، مهددًا بضرب منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم تستجب طهران. كان المشهد يوحي بأن الولايات المتحدة تتجه إلى فرض نهاية سريعة للمواجهة.
لكن الحروب لا تُقاس فقط بقوة الضربات ولا بارتفاع سقف التصريحات، بل بقدرة الدولة على تحويل أهدافها السياسية إلى نتائج قابلة للتحقق.
بعد انتهاء المهلة، بدأ التحول التدريجي. ففي 23 آذار 2026 ظهرت إشارات إلى تمديد المسار الدبلوماسي ووجود اتصالات، فانتقل الخطاب من منطق الحسم إلى منطق إدارة الأزمة.
وهنا يبرز السؤال:
هل كان هذا التحول مجرد مرونة سياسية، أم أنه كشف حدود القدرة على تحقيق الأهداف القصوى؟
فالقراءة التي ترى أن واشنطن رفعت سقف أهدافها أكثر مما تستطيع تحقيقه تعتبر أن الانتقال من الحديث عن الاستسلام وسقوط المعادلة الإيرانية إلى البحث عن تفاوض، كان محاولة للخروج من مأزق استراتيجي فرضته طبيعة المواجهة.
فالضغط العسكري يمكن أن يحقق أضرارًا كبيرة، لكنه لا يضمن بالضرورة تغيير نظام أو إعادة تشكيل دولة بحجم إيران، خصوصًا عندما يكون ثمن استمرار الحرب توسع المواجهة إقليميًا.
وخلال الأسابيع التالية، تراجع الخطاب تدريجيًا: من إسقاط النظام إلى الضغط عليه،
ومن الضغط إلى التفاوض،
ومن فرض الشروط إلى البحث عن ضمانات.
وفي 11 حزيران 2026 أعلن ترامب إلغاء ضربات كانت مقررة، مشيرًا إلى تقدم في المسار الدبلوماسي. وهنا ظهرت نقطة التحول الأساسية: الولايات المتحدة التي دخلت المواجهة بمنطق فرض الاستسلام، بدأت تبحث عن تسوية تمنع انفجارًا أكبر.
ثم في 17 حزيران 2026 ظهر مسار الاتفاق المؤلف من 14 بندًا، لتصبح اللغة السياسية مختلفة تمامًا: لم يعد الحديث عن تغيير النظام، بل عن التزامات وضمانات ووقف للتصعيد.
أما إسرائيل، فوجدت نفسها أمام معادلة جديدة. فكلما اقتربت واشنطن من التسوية، تقلص هامش الحركة الإسرائيلية؛ لأن استمرار الحرب كان يحمل خطر توسعها إلى مواجهة إقليمية لا تستطيع الولايات المتحدة التحكم بنتائجها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
بدأت المواجهة بخطاب يقول إن إيران أمام خيار الاستسلام، وانتهت بمسار يبحث عن اتفاق.
قد تكون إيران دفعت أثمانًا كبيرة، وقد تكون الولايات المتحدة أثبتت قدرتها على الضرب والضغط، لكن السؤال الاستراتيجي يبقى:
هل كان الاتفاق نتيجة انتصار سياسي مدروس؟
أم أنه كان مخرجًا اضطراريًا عندما اصطدمت الأهداف المعلنة بحدود الواقع؟
ففي السياسة الدولية، لا يُقاس النصر بما يُقال عند بداية المعركة، بل بما يبقى ممكنًا عند نهايتها.






